صفي الرحمان مباركفوري

56

الرحيق المختوم

جاءت مثل فلق الصبح ، حتى مضت على ذلك ستة أشهر ، ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة ، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة - فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته صلى اللّه عليه وسلم بحراء شاء اللّه أن يفيض من رحمته على أهل الأرض ، فأكرمه بالنبوة ، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن « 1 » . وبعد النظر والتأمل في القرائن والدلائل يمكن لنا أن نحدد ذلك اليوم بأنه كان يوم الاثنين لإحدى وعشرين مضت من شهر رمضان ليلا ، ويوافق 10 أغسطس سنة 610 م ، وكان عمره صلى اللّه عليه وسلم إذ ذاك بالضبط أربعين سنة قمرية ، وستة أشهر ، و 12 يوما ، وذلك نحو 39 سنة شمسية وثلاثة أشهر و 12 يوما « 2 » .

--> ( 1 ) قال ابن حجر : وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر ، وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع في شهر مولده وهو ربيع الأول ، بعد إكماله أربعين سنة ، وابتداء وحي اليقظة في رمضان ( فتح الباري 1 / 27 ) . ( 2 ) اختلف المؤرخون اختلافا كبيرا في أول شهر أكرمه اللّه فيه بالنبوة ، وإنزال الوحي ، فذهبت طائفة كبيرة إلى أنه شهر ربيع الأول ، وذهبت طائفة أخرى إلى أنه رمضان ، وقيل هو شهر رجب ( انظر مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب النجدي ص 75 ) ورجحنا الثاني - أي أنه شهر رمضان - لقوله تعالى : شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ البقرة : 185 ] ولقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] ومعلوم أن ليلة القدر في رمضان ، وهي المرادة بقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [ الدخان : 3 ] ولأن جواره صلى اللّه عليه وسلم بحراء كان في رمضان ، وكانت وقعة نزول جبريل فيهما كما هو معروف . ثم اختلف القائلون ببدء نزول الوحي في رمضان في تحديد ذلك اليوم ، فقيل : هو اليوم السابع ، وقيل السابع عشر ، وقيل الثامن عشر ( انظر مختصر سيرة الرسول المذكور ص 75 ، ورحمة للعالمين 1 / 49 ) وقد أصر الخضري في محاضراته على أنه اليوم السابع عشر ( محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 69 ) . وإنما رجحنا أنه اليوم الحادي والعشرون مع أنا لم نر من قال به لأن أهل السيرة كلهم أو أكثرهم متفقون على أن مبعثه صلى اللّه عليه وسلم كان يوم الاثنين ، ويؤيدهم ما رواه أئمة الحديث عن أبي قتادة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن صوم يوم الاثنين ، فقال : « فيه ولدت فيه أنزل علي ، وفي لفظ : ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل عليّ فيه » ( صحيح مسلم 1 / 368 ، أحمد 5 / 297 ، 299 ، البيهقي 4 / 286 ، 300 ، الحاكم 2 / 602 ) ويوم الاثنين في رمضان من تلك السنة لا يوافق إلا اليوم السابع ، والرابع عشر ، والحادي والعشرين ، والثامن والعشرين ، وقد دلت الروايات الصحيحة أن ليلة القدر لا تقع إلا في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان وأنها تنتقل فيما بين هذه الليالي ، فإذا قارنا بين قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وبين رواية أبي قتادة أن مبعثه صلى اللّه عليه وسلم كان يوم الاثنين وبين حساب التقويم العلمي في وقوع يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة تعين لنا أن مبعثه صلى اللّه عليه وسلم كان في اليوم الحادي والعشرين من رمضان ليلا .